الصفحة الرئيسية · المقالات · لوحة النقاش · روابط المواقع · مجموعات الأخبار 10:30 مساء الجمعة 18 شعبان 1431 (30 يوليو 2010)
عرض الموضوع
أخبار الجزائر - | المنتدى العام | أخبار الجزائر
الكاتب لا للكذب التاريخي ولا لتزييف الحقائق
mohdalger
عضو

صورة المستخدم

المشاركات: 75
المكان: suise
الاشتراك: 2007.11.08
نشر في 20-10-2009 22:25 المشاركة رقم: 838
للشباب الذي لم يعايش الأحداث

بقلم: أنور نصر الدين هدام(2)
قرأت مقالة الأخ النعيمي أحمد بعنوان "شجاعة الرئيس وتنصل الإنقاذ"، وتعجبت من هذه الجرأة الكبيرة على قلب الحقائق واتهام الشرفاء بالباطل، ومداهنة المجرمين الذين ولغوا في دماء الجزائر سنوات طوال، وهذا ليس من أفعال النزهاء المخلصين لدينهم و وطنهم و شعبهم.



فما وقع في الجزائر ليس بالأمر الهين، علينا أن لا نتعامل معه بكل سذاجة وأن لا نلصق التهم بالأبرياء فهذا من التدليس والكذب على التاريخ والترويج للأباطيل. ونحن نربأ بهذا الموقع أن ينزل مستواه لهذا الدرك من الانحطاط.

وودت أن نتحلى بشيء من الإنصاف حتى نتمكن من ترقية مشروع المصالحة المطروح من قبل الرئيس عبد العزيز بوتفليقة إلى مستوى مصالحة حقيقية تضمد الجراح و تفضي إلى حل عادل ومستقر للأزمة الجزائرية.


--------------------------------------------------------------------------------
بكل تأكيد هناك قصور وتقصير وأخطاء وقعت فيها الجبهة الإسلامية للإنقاذ، وهذه سنة ماضية في البشر والعصمة ليست إلا لسيد البشر نبينا محمد صلى الله عليه وسلم.

--------------------------------------------------------------------------------

نعم بكل تأكيد هناك قصور وتقصير وأخطاء وقعت فيها الجبهة الإسلامية للإنقاذ، وهذه سنة ماضية في البشر والعصمة ليست إلا لسيد البشر نبينا محمد صلى الله عليه وسلم. ولكن هذا لا يعني أبدا أن نسمح لأنفسنا بأن نقلب الحقائق ونروج للأكاذيب، وليت صاحب المقال تحلى بمقدار يسير من الإنصاف وقول كلمة الحق. فكان ديدنه هو توجيه الاتهامات الجزافية والترويج للروايات الاستئصالية على أنها حقائق مسلم بها.



ولا أريد أن أثقل كاهل القارئ بكثير من التعليقات، ولكن أكتفي ببعض الحقائق التي تجاهلها الكاتب، ونحب أن نذكر بها، إنصافا للحقيقة ومساهمة في تزويد القارئ الكريم بالصورة الكاملة للحدث الجزائري حتى لا نقرأه من ثقب.

مبادرات الجبهة الإسلامية بحقن الدماء لم تتوقف، بل بدأت حتى قبل انطلاق دوامة العنف في الجزائر وحذر عقلاء الجبهة الإسلامية أكثر من مرة من أن تكون الجزائر حقل تجارب والعبث بشرفها:




--------------------------------------------------------------------------------
قال الشيخ محمد السعيد رحمه الله، أمير حركة البناء الحضاري الإسلامية، في قاعة المجلس الشعبي بالقبة في الندوة الصحافية المشهورة أمام الصحافة الوطنية والدولية، بعد تنصيبه ناطقا رسميا جديدا للجبهة الإسلامية للإنقاذ: "أوجه ندائي لعقلاء الأمة إن بين يدي "قنبلة" فأعينوني حتى لا تنفجر في المجتمع".

--------------------------------------------------------------------------------

1ـ ويكفي أن أذكر القارئ الكريم بموقف الشيخ الشهيد محمد السعيد، رحمه الله، أمير حركة البناء الحضاري الإسلامية، الذي قال كلمة تاريخية في مسجد السنة بباب الواد عندما قام النظام باعتقال أواخر شهر جون 1991 القيادة الأولى للجبهة فاتحا الباب على مصراعيه للمواجهة: "إن هذه الجبهة قلمت كثيرا من الأظافر الحادة، وإنها إن ضُربت لا سمح الله فإن الأمور ستنفلت، ونحن نريد أن نحمي الأمة من حمام الدماء".

وقال الشيخ محمد السعيد في قاعة المجلس الشعبي بالقبة في الندوة الصحافية المشهورة أمام الصحافة الوطنية والدولية، بعد تنصيبه ناطقا رسميا جديدا للجبهة الإسلامية للإنقاذ: "أوجه ندائي لعقلاء الأمة إن بين يدي "قنبلة" فأعينوني حتى لا تنفجر في المجتمع".


الشيخ محمد السعيد رحمه الله يؤدي واجبه الانتخابي

2ـ وعندما سئل الشيخ المجاهد بقية السلف الصالح الدكتور عباسي مدني في أحد المجالس:"هل تؤسس الجبهة الإسلامية جناحا مسلحا؟"، رد بكل صرامة: "من يفعل ذلك، فكأنما طعنني في الظهر!" ... وعندما جاءت جحافل المجرمين لتعتقل الشيخ عباسي مدني، قال للشيخ الشهيد محمد سعيد ومن حوله:"حافظوا على الجبهة حتى تبقى في الشرعية! ولا تنجروا للعنف".

3ـ وعلى الرغم من أن النظام العسكري الجزائري اعتقل قيادات الجبهة وعشرات الإطارات في يونيو 1991، ومع ذلك سعى رجال الجبهة بكل ما أوتوا من قوة من أجل إقامة مؤتمر تمثيلي، وكنت أنا شخصيا مع العديد من إخواني نسعى، في العلن ومن وراء الستار، لإنجاح المؤتمر حتى تبقى الجبهة في الشرعية ولا تنزلق للعنف، وهو ما تحقق في مؤتمر الوفاء التاريخي بعاصمة الأوراس بباتنة.

4ـ لقد حاول النظام العسكري في الجزائر أن يقيم انتخابات مزورة مثل الانتخابات التي تقام اليوم، وتقدم شرعية مكذوبة ومغشوشة، فرفضها الشعب وبحمد الله تم تأجيلها إلى نهاية العام، واحترمت فيها شروط المعارضة بان تكون انتخابات حرة ونزيهة وشفافة.



5 ـ ورغم كل الظروف، سارعت الجبهة للمشاركة في الانتخابات مع أن قيادتها الوطنية تقبع في السجون والمعتقلات ظلما وعدوانا، حتى نفوت أي فرصة للاصطياد في المياه العكرة. وبحمد الله كانت انتخابات غرة في جبين الجزائر، فهي أول انتخابات وآخر انتخابات ديمقراطية تشهدها الجزائر. وهنا بادر حفنة من الانقلابيين للزج بالجزائر إلى دوامة العنف، وانقلبوا على الرئيس الشاذلي بن جديد، وفتحوا النار على الأبرياء، واعتقلوا آلاف المواطنين ورموهم في غيابات الصحراء.


--------------------------------------------------------------------------------
لم تترك الجبهة بابا من أبواب الحوار إلا طرقته ولا بابا من أبواب درء الفتنة وتوقيف القتال إلا سارت فيها، وأذكر هنا الكاتب بمبادرة الشيخ عباسي ورسالته التي بعث بها من سجنه في أغسطس 1994 ... ومبادرة العقد الوطني الموقع من كافة الأطياف والاتجاهات السياسية الجزائرية في يناير 1995، المبادرة التي كنت شخصيا من ورائها.

--------------------------------------------------------------------------------

6ـ لا أريد أن أعود إلى التاريخ كثيرا، ولكن هذا مجرد تذكير للكاتب النعيمي وللقراء بأن هذا النوع من الكتابات فيها تضليل كبير وتجني على الحقيقة. وبعد الانقلاب، لم تترك الجبهة بابا من أبواب الحوار إلا طرقته ولا بابا من أبواب درء الفتنة وتوقيف القتال إلا سارت فيها، وأذكر هنا الكاتب بمبادرة الشيخ عباسي ورسالته التي بعث بها من سجنه في أغسطس 1994 ... ومبادرة العقد الوطني الموقع من كافة الأطياف والاتجاهات السياسية الجزائرية في يناير 1995، المبادرة التي كنت شخصيا من ورائها نيابة عن الجبهة الإسلامية للإنقاذ، عندما فشلت جولات الحوار المتعددة التي أطلقتها القيادة الميدانية للجبهة الإسلامية آنذاك، بزعامة كل من الشهداء عبد القادر حشاني والشيخ محمد سعيد وعبد الرزاق رجام والشيخ المقرئ يخلف شراطي... وكان الطرف الوحيد المتعنت هو طرف الانقلابيين. وحتى مساعينا بفبراير 1996، وإقناعنا صديق الثورة الجزائرية رئيس جنوب إفريقيا نلسون مندبلا للوساطة من أجل حقن الدماء قوُبلت بالرفض!، فهل بعد كل هذا يستقيم اتهام الكاتب كما ورد في مقاله؟ هل هذا الكلام منطقي!



7ـ وفتح المجرمون أبواب الجزائر على القتل والمذابح الجماعية ومطاردة الإطارات الوطنية وقتلها في السجون والمحتشدات وفي القرى والأحياء الشعبية... وكانت كوارث لا تزال الجزائر تتجرع مراراتها إلى اليوم. وعندما اشتد الخناق على السلطة الجزائرية، وجاءت اللجنة الأممية لتقصي الحقائق في 1997، بدأ الجنرالات يرتبكون ويخشون من نفس المصير الذي لقيه بينوشي وجنرالات الصرب المتورطين في جرائم حرب ضد الإنسانية.

ولذلك طلبوا من الرئيس زروال أن يستقيل وجاؤوا بمشروع الوئام المدني، وأتوا بالرئيس بوتفليقة في انتخابات كاريكاتورية نافس الرئيس فيها نفسه وانسحب بقية المترشحين!

8ـ ومع ذلك، وبالرغم من هذا الزيف، بارك الشيخ عباسي مدني مبادرة الوئام المدني إعطاء بعدا سياسيا لمشروع الوئام التي أعلنها بوتفليقة في البداية وبعث برسائل من إقامته الجبرية تبارك مسعى حقن الدماء ... ولكن بوتفليقة وجد نفسه محاصرا ومكبل الأيدي باعترافه، واضطر في آخر لحظة، بدل الخوض في حوار جاد مع قيادة الجبهة الإسلامية للإنقاذ، اضطر الرئيس التوقيع على قرار العفو السياسي على ما كان يعرف بالجيش الإسلامي للإنقاذ، الجيش الذي أؤكد هنا موقفنا في قيادة الجبهة الإسلامية على أنه لم يكن يوما جناحا مسلحا للجبهة الإسلامية للإنفاذ، مع دعمنا لحق الشعب في الدفاع عن النفس، فكون أن بعض أفراده من أنصار الجبهة لا يكفي لاعتباره تنظيميا مرتبط بالجبهة، كما أن موقفنا هذا لا يقلص من شأن المجاهدين المخلصين لدينهم وشعبهم وجبهتهم.

9 ـ هذه نقطة مهمة وجديرة للتمعن: نحن في الجبهة الإسلامية للإنقاذ كنا ولا زلنا نرفض رفضا باتا مسألة تسليح الأحزاب السياسية، كما نرفض بنفس الشدة تسييس الجيش والمخابرات. ففي الوقت الذي كانت فيه أبواق الانقلابيين تلح على اعتبار جيش الإنقاذ جناحا مسلحا للجبهة الإسلامية ـ إلى درجة محاولة استبدال قيادة الجبهة بقيادته ـ كنا نحن دوما نركّز على الحفاظ على سلمية العملية السياسية مع دعمنا، سياسيا، لحق الشعب في الدفاع عن النفس في تنظيمات مسلحة مستقلة ومحدودة المهام، تنتهي بانتهاء الصراع. فلم تكن يوما الجبهة الإسلامية للإنقاذ حركة عنيفة انقلابية.

فالجبهة الإسلامية حزب سياسي يطمح كسائر الأحزاب السياسية النزيهة الوصول إلى السلطة عن طريق اختيار الشعب والبقاء فيها ما دام الشعب راض بأدائه في تسيير شؤون البلاد... وهذا عكس ما هي عليه السلطة الفعلية الحالية، أو ما أسماها الرئيس بوتفليقة "التوازنات الوطنية"، والأحزاب الموالية لها، والتي واصلت قبضتها على مفاصل الحكم عن طريق الدبابات ...

وهكذا، وللأسف الشديد لم تطبق من قرارات مشروع الوئام المدني قرارا واحدا وخان النظام كل العهود والوعود التي أطلقها ونكص على عقبيه وهذا باعتراف الرئيس بوتفليقة نفسه. وبقيت الأزمة تتراوح مكانها لمدة خمس سنوات كاملة، حتى جاء موعد الانتخابات الرئاسة وتجديد العهدة الرئاسية، وهنا تجدد الحديث عن مشروع المصالحة الوطنية، وقلنا لا يمكن إلا أن نعلن موافقتنا على النوايا الحسنة الطيبة. وكنا سباقين للدعوة إلى المصالحة الوطنية المتوازنة التي تحفظ حقوق الجميع، على قدم المساواة.

وعندما طرح مشروع الميثاق في أغسطس 2005 وجدنا أن لغته هي لغة السب والشتم وتحميل الضحية أوزار المجرم، ولا يتضمن أي معنى من معان المصالحة الوطنية، الميثاق فيه أخطاء فادحة خاصة تمجيد المجرمين الذين ارتكبوا جرائم ضد الإنسانية، ولذلك قلنا بأن مشروع الميثاق كما طرح للاستفتاء في 29 سبتمبر 2005 غير متوازن ولن يحقق المصالحة ولن يحل الأزمة.


--------------------------------------------------------------------------------
عندما صرح الرئيس بوتفليقة علنا بأن هناك خطوط حمراء أو توازنات وطنية تحرمه من حرية المبادرة، وجدنا أنفسنا أمام واجب أخلاقي لقبول الدعوة للعودة إلى أرض الوطن، رغم المخاطر، وذلك من أجل السعي لترجيح كفة التيار التصالحي الذي يسعى لإيجاد حل ومخرج متوازن للازمة الجزائرية.

--------------------------------------------------------------------------------

ولكن مع ذلك قلنا إنه من الحكمة ومن التوازن في المواقف أن لا نقف عند محطة معينة، لها سقف محدود بشبكة معقدة من اللوبيات الضاغطة التي تريد أن تنجز مخرجا من مأزق مصادرة اختيار الشعب والالتفاف على إرادته، بانتهاج سياسة المعالجة الأمنية ولا تعترف بالجذر السياسي للأزمة. وعندما صرح الرئيس علنا بأن هناك خطوط حمراء أو توازنات وطنية تحرمه من حرية المبادرة، وجدنا أنفسنا أمام واجب أخلاقي لقبول الدعوة للعودة إلى أرض الوطن، رغم المخاطر، وذلك من أجل السعي لترجيح كفة التيار التصالحي الذي يسعى لإيجاد حل ومخرج متوازن للازمة الجزائرية.

وحتى هذه الدعوة التي وجهها لنا الممثل الشخصي للرئيس السيد عبد العزيز بلخادم باسم رئيس الجمهورية، أُجهضت ووقفت الرئاسة عاجزة عن تنفيذ وعدها. وهذا جعلنا نتوجس من النوايا الخبيثة لجهات استئصالية لا زالت متمكنة من مفاصل الحكم. وبمجرد تنظيم الاستفتاء، لاحظ جميع المراقبين حدوث تراجع كبير، وبدأت تصريحات هنا وهناك توحي قيام جهات معينة بصوغ قوانين تطبيقية للميثاق حسب مقاسها الخاص. فعلى سبيل المثال، في الوقت الذي تحدث ميثاق السلم والمصالحة عن ضرورة حماية مؤسسات الجمهورية الجزائرية، بما فيها المؤسسة العسكرية والأمنية، وهو ما نريده جميعا، وإذا بالنصوص التطبيقية (خاصة المادة 45 و46) تريد حماية جميع أفرادها دون استثناء، يمن فيهم الذين كانت لهم يد في الجرائم والمجازر في حق الأبرياء، بل تدعو النصوص معاقبة من يريد البحث عن الحقيقة، ونحن هنا نتحدث عن الحقيقة بشأن جميع أطراف النزاع...



علينا أن لا ننسى أن المراسيم التطبيقية جاءت بعد فترة ارتباك شديد مرت بها الجزائر جراء مرض الرئيس، حيث تم استغلال حالة الترقب والفراغ الذي خلفه المرض إلى دفع الأمور في اتجاه الالتفاف على مشروع المصالحة الحقيقية وإفراغه من محتواه، وهذا ما أدى إلى تأخر فادح في الإعلان عن المراسيم، نتيجة تجاذبات كبيرة بين كتل السلطة في عملية الصياغة القانونية. وهذا ما جعل النصوص تصاغ بلغة التجريم والاتهام، بينما المصالحة ترتكز على لغة جمع الشمل وتوحيد الكلمة واحترام سيادة جميع الجزائريين وإخضاعهم لسلطة القانون على قدم المساواة. هذه هي روح المصالحة الوطنية الراشدة. والذي حدث هو تلاعب بالكلمات واستغلال مآسي الجزائريين والمسجونين والمضطهدين والمشردين في الخارج لمقايضة حقوقهم الوطنية المشروعة، من أجل تمرير تشريعات تتنافى مع روح الإسلام وغير دستورية تتعارض مع القانون والدستور ومواثيق حقوق الإنسان وروح المصالحة الوطنية وحق المواطنة كاملا غير المنقوص.

ولذلك وجدنا أنفسنا أمام مسؤولية تاريخية: إما أن نعلن تزكيتنا لهذه المراسيم، وبذلك نساهم في الكذب على أنفسنا وعلى شعبنا وعلى التاريخ ونخون قضيتنا، أو أن نعلن الموقف الشرعي والأخلاقي والسياسي المتوازن.

فالطبيب عندما يقول للمريض، لقد أدى التشخيص إلى اكتشاف مرض السرطان، وعليك بإتباع الإجراءات من أجل معالجة هذه الأورام قبل أن تستفحل! هل نقول بأن الطبيب كان قاسيا! ونظرته متشائمة!

1 ـ ولذلك كله دعونا للتركيز على مرحلة ما بعد الميثاق، لأن ما يهمنا ليس الشعارات التي ترفع ولكن الأعمال والتطبيقات الميدانية لهذه الشعارات. فنحن في الجبهة الإسلامية نرحب بجميع الإجراءات التي من شأنها التخفيف عن معانات الشعب ورد المظالم، وهكذا نحن مع رفع تلك الأحكام الصادرة في حق الأبرياء من قبل قضاء مُسيّس غير مستقل، لكننا نرفض المقايضة الرخيصة للمظلومين باستغلال النصوص المطروحة لتبرئة ساحة مجرمي الحرب مهما كانت انتمائهم.

أخي العزيز صاحب المقال أقول لك إن تجربتنا مع التيار الاستئصالي في السلطة الجزائرية طويلة جدا، لقد أنتجوا ما يسمى بقانون الرحمة في عهد زروال، ثم جاء قانون الوئام، والآن مراسيم تطبيق الميثاق، وفي كل مرة لا نلمس أية جدية في معالجة الأزمة، بل هناك عملية تسويف وإرجاء وعرقلة للجهود الجدية ولمساعي الخيرين لإيجاد مخرج جزائري شامل وعادل.

والصراع بين التيار الوطني التصالحي ذو الامتداد الحضاري بأمتنا المسلمة وبين التيار الاستئصالي التغريبي لا يتجسد فقط في المراسيم التطبيقية للميثاق وفي الشؤون السياسية الكبرى، بل يتجاوزه إلى كافة شرايين الحياة، بداية من التربية والتعليم والبحث العلمي "التمكيني" إلى الثقافة والفلكلور، إلى قضايا المال العام والفساد والرشوة، إلى المشاريع الاقتصادية والتنموية، إلى السياسة الخارجية ... كل هذه الملفات لا تزال تعاني من المخاض العسير والصراع المرير كما هو ملاحظ في التسيير اليومي لتدابير الشأن العام.

ومن باب إحسان الظن بالناس، لا أستطيع القول إن المراسيم تعبر عن إرادة رئيس الجمهورية بشكل دقيق، وهو الذي صرح بكل وضوح أن مشروع الميثاق يخضع للتوازنات الوطنية الحالية، والتي نعتبرها توازنات غير دستورية. كما أنه علينا التمييز بين مراسم تنفيذ ميثاق السلم والمصالحة وبين المصالحة الوطنية كمشروع، والذي أؤيد الرئيس فيه دون تردد، معتبرا المشروع كخطوة أولية نحو حل عادل لأزمة اختيار السلطة السياسية في البلاد تُجسد سيادة الشعب وتقرير مصيره. حرصنا على المصالحة الوطنية، هو الذي يدفعنا إلى معارضة بعض ما جاء في هذه المراسم التنفيذية لميثاق السلم و المصالحة...

وهكذا، في الوقت الذي تبرئ المراسيم ساحة متهمين بجرائم بشعة، دون تحقيق مسبق، من أعوان النظام ومن بعض المجموعات المسلحة، نراها تنتهك حق المواطنة لفئة من الجزائريين عانوا ويلات الظلم وعانوا التهجير والتشريد والقتل الجماعي، ويحرمهم من حق الممارسة السياسية أو النقابية والتهيكل في مؤسسات المجتمع المدني. وهذا انتهاك صارخ لحقوق الإنسان بدون شك، بل إن المشرّع الذي وضع هذه المراسيم يرفض حتى حق الإدلاء بالشهادة التاريخية، وكشف الحقيقة.

فعندما يكتب أنور هدام مذكراته مثلا يصبح تحت طائلة القانون والمراسيم، وعندما يقوم سجين سابق بتأليف رواية يحكي فيها عما عناه في سجون الانقلابيين، يجرم تحت طائلة القانون الجديد، وعندما يقوم مواطن اضطرته مطاردات الانقلابيين للاحتماء بالجبال والهرب بجلده بكتابة مشاهداته ومذكراته، يصبح تحت طائلة القانون، وعندما تقوم شابة جزائرية كانت شاهد عيان على انتهاكات صارخة تعرض لها أخوها أو أبوها، وتقوم بتصوير فيلم يتحدث عن معاناتها وتقدم روايتها التاريخية، تصبح تحت طائلة القانون الجديد.

إذن الذين صاغوا القانون كانوا يستهدفون الحقيقة بالدرجة الأولى، ويريدون تزييف التاريخ والكذب على الناس، وقاموا بمقايضة رخيصة بين معاناة المضطهدين وبين حق الإدلاء بالشهادة التاريخية، ولذلك يريدون أن يسبقوا الأحداث لإنجاز طبعة مزورة للتاريخ تكون ضحيتها الحقيقة بالدرجة الأولى.

لم يكفهم أن وضعوا آلاف الجزائريين في إقامة جبرية غير معلنة، وبعدما حرموهم من حقوقهم الأساسية كمواطنين، يريدون حرمانهم حتى من حق قول الشعر أو تأليف سيناريو أو كتابة رواية أو انجاز شريط وثائقي أو كتابة مذكرات سياسية. هذا قمة الاستخفاف وقمة الاستهتار وقمة القمع والتزوير عن سبق الإصرار والترصد. وعليه، فإن خيارات النظام تدل على أنه لم يستوعب دروس الماضي...

وإلى جانب هذا، تخبرنا وسائل الإعلام بأن بنكا واحد من البنوك تعرض إلى عملية اختلاس تفوق 3 مليون دولار أمريكي تكفي لانجاز عدة سدود وتكفي لتدعيم مئات الفلاحين وتكفي لبناء عشرات السكنات، وعندما نسمع بأن سلطات قضائية في دولة أجنبية قامت بحجز أموال بنك جزائري تفوق 4 مليون دولار نتيجة التلاعب بالمستندات البنكية، فضلا عن مخلفات قضية بنك الخليفة التي بلغت حسب بعض التقارير ما يتجاوز 5 إلى 7 ملايير دولار أمريكي، ولا تزال المؤسسات البنكية الدولية تطالب الجزائر بتسوية مستحقاتها التي تبخرت مع بنك الخليفة وغير ذلك من الفضائح التي لا تنتهي، بالإضافة إلى تدهور كبير في مستوى التعليم، حتى إن الأستاذ الجزائري في الجامعة يتقاضى مرتبات تقل عن نظيره التونسي أو المغربي أوالليبي، وتدهور القدرة الشرائية للأغلبية الساحقة من أبناء الشعب، هذا هو مشهد الجزائر اليوم.

كيف تريدنا أن نقتنع بأن النظام استوعب الدروس! النظام الآن يدفع ثمن سياسة الهروب إلى الأمام وتجاهل المشكلات الحقيقية! هناك نهب منظم للمال العام وهناك سوء تسيير لكل الملفات الاقتصادية! المواطن الجزائري لا يزال إلى اليوم لا يستطيع الحصول على خدمة الانترنيت وعلى حق الإعلام، لا تزال المدن الداخلية لا تحصل على الصحف الوطنية. لقد كرس الانقلابيون منطق "انتهاك القانون" و"انتهاك حرمة الدولة"، وقاموا بتسيير البلاد عن طريق الزبائن المستعدين لخدمتهم بعيدا عن كل شرعية شعبية ودستورية، ولذلك المسألة السياسية ليست إلا الوجه الآخر للانحرافات التي طالت جميع ميادين الحياة الأخرى في الاقتصاد وفي الثقافة وفي الحياة الاجتماعية، حيث يعاني المواطن الويلات، فقد انتشرت الجريمة واستفحلت الرذائل الأخلاقية بل وصل الأمر إلى درجة توسع الحملات التبشيرية.

المصالحة الوطنية كل لا يتجزأ، وحلقات مترابطة بعضها ببعض، وإن انفرط جزء منها ينفرط العقد كله. نحن نريد مصالحة وطنية تكون بمثابة خطوة حضارية نحو حل معضلة اختيار السلطة السياسية في البلاد بكل حرية، وفي إطار تعددية حقيقية تجسد اختيار الشعب بكل فئته.

اليوم في الجزائر هناك تضييق على الأحزاب الوطنية ويستعملون غطاء قانون الطوارئ لمحاصرة الصحفيين ومحاصرة حق العمل النقابي ومحاصرة الفنانين والأدباء وكل صوت حر. حتى إن المواطن لم يعد يعرف متى تبدأ حريته ومتى تنتهي! هناك تضييق كبير على الحريات الفردية والجماعية، حتى تحولت الأحزاب السياسية إلى مجرد منظمات تشبه المنظمات الجماهيرية في عهد الحزب الواحد.

إن هناك عملية خنق، وهذا الخنق لن يطول، بل سيؤدي حتما للانفجار إن لم يستدرك الأمر... ولذلك ليس صحيحا أن السلطة تتحمل أعباء السلم، كما جاء في هذا المقال، بل السلطة اليوم بقوانينها الجائرة تكرس سياسة الكيل بمكيالين وتكرس سياسة تقنين الفوضى والاعتداء على الحريات العامة. ولو كانت السلطة تؤمن حقيقة بالمصالحة الوطنية لاستمعت لصوت العقل والحكمة، وفكرت في مستقبل الجزائر حتى تستعيد عافيتها في ظل العولمة التي لا ترحم.

وأختم هذه الدردشة بالقول: إنه لا ينبغي طرح القضايا المعقدة والشائكة بشكل سطحي وبإلقاء التهم الجزافية ذات اليمين وذات الشمال، وقد قال الله سبحانه وتعالى في محكم تنزيله: {ولا تقفوا ما ليس لك به علم، إن السمع والبصر والفؤاد كل أولائك كان عنه مسئولا}. وأجدد مرة أخرى الدعوة من أجل مؤتمر وطني يشمل جميع القوى والشخصيات الوطنية من أجل ترقية مشروع المصالحة، والسير بها نحو الطريق الصحيح المفضي إلى حل عادل للأزمة الجزائرية.




--------------------------------------------------------------------------------
(1) نقلا عن موقع العصر: www.alasr.ws
(2) للتواصل: أنور نصر الدين هدام، النائب المنتخب في البرلمان الجزائري (ديسمبر 1991) Anwar NasrEddeen Haddam : anhaddam@yahoo.com


وقع لمن لا صوت له
إرسال رسالة خاصة
الانتقال إلى المنتدى: