تراشق بالاتهامات بين الرئيس الجزائري الأسبق بن جديد ووزير دفاعه اللواء نزار
الجزائرـ 'القدس العربي' من كمال زايت: تحولت محاضرة تاريخية ألقاها الرئيس الجزائري الأسبق الشاذلي بن جديد الاسبوع الماضي بمدينة جزائرية بعيدة، إلى موضوع جدل سياسي كبير، خاصة بعد دخول اللواء المتقاعد ووزير الدفاع الأسبق خالد نزار على الخط.
نزار الذي عمل مع الشاذلي خلال ثورة التحرير (1954 ـ 1962) وبعدها، وبين الرجلين ما صنع الحداد من خلافات، تحدث مهاجما الشاذلي وفترة حكمه بشراسة، غير أن الشاذلي، الذي عُرف باتزانه وتعاليه عن الجدل، تكلم من جديد وقال أشياء من شأنها إثارة أزمات أخرى.
بداية الجدل كانت محاضرة ألقاها مطلع الأسبوع الماضي الرئيس الأسبق في مدينة 'الطارف'، مسقط رأسه والتي تقع على الحدود مع تونس، وذلك في إطار مشاركته في ندوة تاريخية.
الشاذلي الذي غادر الرئاسة في 1992 في ظرف مميز، حافظ على الصمت طوال السنوات الماضية، ولم يتحدث سوى مرة أو اثنتين دون أن يقول الشيء الكثير، خاصة وأن فترة حكمه مليئة بنقاط الظل والأسرار. كما أن الطريقة التي غادر بها الرئاسة والظروف المحيطة بها خلفت وراءها ألف سؤال وسؤال.
ورغم كل الفضول والشوق لمعرفة رأي الرجل الذي قيل عنه (وفيه) الكثير، إلا أنه ظل متشبثا بواجب التحفظ، الأمر الذي عزز الاعتقاد بأنه لن يتكلم أبدا.
وحتى مذكراته التي يتم التحضير لها لم تثر الكثير من الاهتمام، على اعتبار أن الساسة في الجزائر يفضلون الاحتفاظ بالأشياء المهمة والتي تثير الجدل لأنفسهم، حتى لو تطلب الأمر نقلها معهم إلى العالم الآخر.
غير أن الشاذلي كسر هذه القاعدة فجأة، لتتحول مشاركة بسيطة في ندوة تاريخية لا تستحق الذكر إلى محاضرة استمرت ثلاث ساعات كاملة.
والغريب أن التلفزيون الرسمي الذي غطى الندوة لم يشر لا من قريب ولا من بعيد إلى مشاركة الرئيس الأسبق، ولم يسمح بظهور أي صورة أو صوت له في تغطيته.
يمكن تقسيم كلام الرئيس الشاذلي إلى شقين، الأول فهم على أنه رسائل سياسية مشفرة للنظام الحاكم اليوم، والثاني موجه إلى رفقائه في الحكم وفي السلاح خلال ثورة التحرير.
فقد قال: 'رؤساء الجزائر يقسمون اليمين باحترام الدستور عند انتخابهم، ولكنهم يفعلون العكس'، وهو ما فسر على أنه تلميح للتعديل الدستوري الأخير الذي قام به الرئيس عبد العزيز بوتفليقة، والذي فتح أمامه باب الترشح لولاية ثالثة.
كما شدد على أنه كان يريد إرساء نظام برلماني عن طريق العودة إلى الشرعية الشعبية وليس الشرعية الثورية، وهي عبارة أسقطت أيضا على الظرف السياسي الحالي، على اعتبار أن الدستور الجزائري بعد تعديله ابتعد أكثر عن النظام البرلماني واقترب من النظام الرئاسي.
أما في الشق الثاني من الكلام فقد نسب للرئيس الشاذلي بن جديد هجوم عنيف على من يسمون بالضباط القادمين من الجيش الفرنسي، معتبرا أن هؤلاء كانوا 'عملاء لفرنسا' التي حاولت اختراق الثورة.
كاد هذا الكلام أن يمر مرور الكرام، غير أن الرد لم يصدر إلا أمس الخميس بعد أن أرسل اللواء المتقاعد خالد نزار ردا مكتوبا لمعظم الصحف الجزائرية التي وضعته على صدر صفحاتها، وفي اليوم نفسه انفردت صحيفة 'الخبر' بتصريح مكتوب للشاذلي بن جديد الذي رأى أن كلامه في الطارف لم ينقل بأمانة.
غضب الجنرال
لم يفوت اللواء المتقاعد نزار الفرصة ليرد على رئيسه السابق، معتبرا أن اتهام الشاذلي له بالجوسسة لصالح فرنسا أمر سخيف، فأوضح أن الرئيس الأسبق 'وقع في تناقض لأنه هو من قبلني كمساعد عسكري في المنطقة العسكرية التي كان يترأسها بين 1959 و1960'، معتبرا أن استفادته من تدريب في الجيش الفرنسي شيء طبيعي.
وذكر نزار أنه كان رافضا لتولي الشاذلي رئاسة الدولة بعد وفاة الرئيس هواري بومدين في نهاية 1978، مشيرا إلى أنه لما طلب منه ثلاثة ضباط في الجيش إقناع الشاذلي بتولي الرئاسة رفض، واعتبر أن أكبر منصب يمكن أن يتولاه هو وزير دفاع.
واعتبر نزار الذي عيّنه الشاذلي وزيراً في قرار نادر سنة 1990 (في العادة رئيس الدولة هو وزير الدفاع) أن الشاذلي يريد تصفية حساب شخصي معه، مؤكدا أن الشاذلي مسؤول بشكل كبير عما حدث خلال الفترة بين 1988 و1992، والتي مهدت لسنوات الفوضى والجنون التي عاشتها الجزائر خلال تسعينيات القرن الماضي.
وتساءل نزار عن السبب الذي جعل الشاذلي يخرج عن صمته، ملمحا إلى وجود أطراف تقف وراء هذه الزوبعة.
وأشار إلى أن صمته بشأن الطريقة التي خرج بها من السلطة عزز نظرية 'من يقتل من' التي كانت أطراف داخلية وخارجية تروج لها في التسعينات مشككة بأن الجيش أو فرقا منه تقف وراء المذابح الجماعية التي راح ضحيتها مئات القرويين الجزائريين.
وواصل وزير الدفاع الأسبق كلامه بالتأكيد أن الشاذلي 'أحاط نفسه بالرداءة في الجيش كما في الرئاسة منذ وصوله إلى الحكم'، وأن قراراته كانت 'تفوح منها رائحة مصالح العصب على حساب مصلحة الدولة'.
وذهب نزار أبعد في اتهاماته للشاذلي بالتأكيد على أنه تحالف مع بعض الأصوليين، وأن بعضهم كان مسؤولا في حزب جبهة التحرير الوطني، معتبرا أن الهدف كان محاربة الشيوعيين، لكن الإسلاميين المتطرفين كانوا يحضرون للعنف المسلح.
تصحيح واتهامات جديدة
من جهته حاول الرئيس الشاذلي في المساهمة المكتوبة التي نشرها أمس الخميس أن يصحح بعض ما نسب إليه من أقوال، مؤكدا في البداية أن واجب المسؤولية هو الذي جعله يطلّق الصمت.
ونفى الشاذلي أن يكون القصد من كلامه خلط الأوراق مثلما كتب في بعض الصحف، وشدد على أنه ليست له النية في التأثير على الحراك السياسي الحالي، في إشارة إلى الإسقاطات التي أعطيت لكلامه.
وكذب الرئيس الأسبق أيضا أن يكون الهدف من خروجه عن الصمت طرح نفسه بديلا للرئيس بوتفليقة (الذي لم يذكره بالاسم).
وعاد الرئيس الشاذلي للحديث مجددا عن قضية الضباط الذين تدربوا في الجيش الفرنسي، مؤكدا أنه لا يضع الجميع في سلة واحدة لأن هناك من التحق بجيش فرنسا مجبرا، قبل أن يفر للالتحاق بالثورة، حسب قوله.
وأورد فئة ثانية وصف أصحابها بأنهم ممن التحقوا بالثورة في وقت متأخر وكانوا سببا في عدة مشاكل، موضحا أن الجنرال ديغول حاول اختراق الثورة بكل الوسائل، وأنه طبق سياسة العصا والجزرة.
وأضاف أن دفعة الجنرال الفرنسي 'لاكوست' هي تتويج لسياسة اختراق جيش التحرير، وقال: بعد فرار مجموعة من الضباط الجزائريين (...) عينوا على رأس فيالق، لكن المجاهدين رفضوهم وطردوا بعضهم، وأدى إصرار القيادة على فرض بعض هؤلاء إلى وقوع عمليات تمرد.
أما فيما يتعلق بخالد نزار فقال الشاذلي: أرسله المجاهد محمدي السعيد إلى المنطقة الأولى التي كنت مسؤولا عنها وعين مستشارا عسكريا، لكن نوابي رفضوه، فأقنعتهم بضرورة الامتثال لقرار القيادة، وظل معنا رغم أننا كنا نعلم بأنه يعمل لصالح الحكومة المؤقتة' التي كانت على خلاف مزمن مع القيادة العسكرية.
ولعل أهم ما جاء في الشهادة المكتوبة التي قدمها الرئيس الشاذلي، تحميل أحمد بن بلة، أول رئيس للجزائر المستقلة، مسؤولية اغتيال العقيد محمد شعباني عام 1963، الذي قاد مع حسين آيت أحمد عملية تمرد بمنطقة القبائل.
وذكر الشاذلي أن الرئيس بومدين، وكان وقتها وزير دفاع، اتصل به ليخبره بأن بن بلة عينه عضوا بالمحكمة الثورية التي تشكلت لهذا الغرض، وأنه يطلب منه الحكم على شعباني بالإعدام، وكان ذلك قبل بدء المحاكمة.
وأوضح أن عددا من الضباط آنذاك اتصلوا بالرئيس بن بلة ليطلبوا منه العفو عن العقيد شعباني، إلا أنه رفض أكثر من مرة، وأنه ذهب إلى حد شتم العقيد السعيد عبيد، مصرا على تنفيذ حكم الإعدام بسرعة.
وختم الشاذلي بالتأكيد على أن بن بلة قرأ في الصحف خبر اعدام شعباني عندما كان قاصدا القاهرة، وأنه علق بالقول 'خسارة.. كيف يعدمون ضابطا شابا مثل شعباني'!
الكلام الجديد الصادر عن الشاذلي بن جديد، قد يدفع الرئيس بن بلة للخروج عن صمته أيضا، وقد يرد اللواء نزار بدوره مرة ثانية، إضافة إلى أطراف أخرى قد تدلي بدلوها في القضية.
جدير بالذكر أن اللواء المتقاعد خالد نزار سبق وأن دخل في جدل مع عدة شخصيات سابقة في الدولة، بداية بعلي كافي رئيس مجلس الدولة السابق (الهيئة الخماسية التي حكمت الجزائر بعد استقالة الشاذلي في 1992) وبلغ بينهما الخلاف حد السباب وتبادل الكلمات النابية علنا.
كما دخل في صراع عبر الصحف مع رئيس الحكومة الأسبق بلعيد عبد السلام، ومع أحمد طالب الإبراهيمي وزير الخارجية الأسبق، ومع عبد العزيز بلخادم رئيس الحكومة السابق.
كما انه انتقد بوتفليقة في تصريحات صحافية عشية الانتخابات الرئاسية في 1999، واصفا اياه بأنه 'دمية' وبأنه عاش طول حياته فس ظل بومدين. ولم يرد بوتفليقة على تلك التصريحات.
وكانت آخر معركة له مع عبد الحق العيايدة احد مؤسسي الجماعة الاسلامية المسلحة، الذي قال ان نزار طلب منه العفو عنه، فرد اللواء في مقال صحافي بأنه 'لا يعتذر من الإرهابيين حتى لو وضعوا السلاح'، وأنه يتحمل مسؤولية القرارات التي اتخذها لما كان على رأس الدولة!
نص رسالة الشاذلي بن جديد:
بن بلة أمر بإعدام شعباني والإسراع في تنفيذ الحكم
قرارات مؤتمر الصومام فرضت علينا بالعنف والسلاح / مؤامرة العقداء لم تكن تنازعا على السلطة أو صراع عُصب
ليس من عادتي الرد على ما يكتب حولي وحول فترة حكمي في الصحافة الوطنية. فقد آليت على نفسي التزام الصمت، ليس هروبا من قول الحقيقة، وإنما شرفي كمجاهد وحسّي بالمسؤولية كرجل دولة يمنعاني من الخوض في قضايا حساسة تتخذ، للأسف الشديد، عندنا في غالب الأحيان طابع النقاش العقيم والمهاترات السخيفة وتصفية الحسابات والتجريح.
ما نشرته بعض الصحف الوطنية من مقالات وتقارير حول تدخلي في الطارف أمام رفقائي في السلاح من القاعدة الشرقية وطلبة المركز الجامعي خير دليل على ذلك. وأنا، بالطبع، لا ألوم المراسلين المحليين على ما وقعوا فيه من أخطاء في نقل فقرات من تدخلي ونزعها عن السياق الذي قيلت فيه، فربما يعود السبب إلى عدم اطلاعهم على حقائق تاريخ ثورة التحرير. لكني اندهشت كثيرا لعنف الهجومات التي تضمنتها بعض المقالات على شخصي وفترة حكمي مما يعطي الانطباع بأن الخيوط تحركها جهات أخرى ليس من مصلحتها أن يتكلم الشاذلي بن جديد.
ولوضع حد للجدل القائم الذي حاول البعض أن يوهم الرأي العام من خلاله أن الشاذلي بن جديد أراد خلط الأوراق، أو أنه حاول أن يؤثـر على الحراك السياسي الجاري الآن، أو أنه يطرح نفسه كبديل محتمل للخروج مما يسميه البعض ''أزمة''، أرى من واجبي توضيح أهم النقاط التي تناولتها في مداخلتي الطويلة بالطارف، وتصحيح بعض الأخطاء ووضع القضايا التي أثيرت في سياقها الحقيقي.
القاعدة الشرقية
لم يتم الاتفاق بين قادة منطقة سوق أهراس رغم الجهود الحثيثة التي بذلها عمارة بوفلاز من أجل تجسيدها في الواقع على المستوى السياسي والتنظيمي. وكانت أسباب الفشل عديدة: منها تضارب الرؤى حول الأهداف وخلافات حول مسائل الانضباط ومعايير تولي المسؤولية واحتدام الصراع حول الزعامة الذي كانت تغذيه اعتبارات عصبية وإقليمية. وتزامن ذلك مع التحضيرات التي كانت جارية في النصف الأول من عام 1956 لعقد أول مؤتمر للثورة من أجل تقييم مسارها وتصحيح الأخطاء، والأهم من ذلك إسنادها ببرنامج سياسي وهيكل تنظيمي يجنبها مخاطر الانحراف. وكانت فكرة عقد لقاء بين قادة الثورة مطروحة آنذاك. وقد فكر فيها مصطفى بن بولعيد، لكن استشهاده حال دون ذلك. وبعد هجمات أوت 1955 تم الاتفاق على عقد اللقاء في المنطقة الثانية. وقد أكد لي ذلك علي كافي مؤخرا. واختيرت آنذاك المشروحة بجبال بني صالح، مقر قيادة عمارة بوفلاز، لاحتضان المؤتمر لكونها منطقة آمنة بسبب وعورة جبالها وغاباتها الكثيفة مما يمنع الجيش الفرنسي من الوصول إليها وكذلك قربها من الحدود التونسية، وهو ما يسمح للمسؤولين الموجودين بالخارج الحضور دون أن يعرضوا أنفسهم للخطر. لكن انقطاع الاتصال بالمنطقة الثانية حال دون ذلك. وفضل مسؤولو الثورة عقد المؤتمر في قرية إفري بالصومام.
مؤتمر الصومام اتخذ قرارات حاسمة لم تكن محل إجماع
تعذر على عمارة بوفلاز الانتقال للقاء المسؤولين عن الثورة بسبب الأوضاع الخطيرة السائدة في المنطقة، فأوفد في جوان 1956 حفناوي رماضنية وعمار بن زودة لشرح وجهة نظر مجاهدي القالة وسوق أهراس. وبعث معهما تقريرا مفصلا عن الأوضاع السياسية والعسكرية والاقتصادية في المنطقة. وطلب من المؤتمر عدم اتخاذ أي قرار بشأن منطقة سوق أهراس، وإيفاد لجنة لدراسة الأوضاع التي ازدادت سوءا، بعد الحصار الذي ضرب عليها منذ مطلع 1955 وتكثيف الجيش الفرنسي لعمليات التمشيط وسوء التفاهم بين مجاهدي النمامشة بعد انسحابهم بأسلحتهم نحو جبال تبسة.
وبعث بوفلاز وفدا آخر للاتصال بالبعثة الخارجية، وكلفه بنفس المهمة. وخلال مرور رماضنية وبن زودة بالشمال القسنطيني التقيا بالطاهر بودربالة ومسؤول آخر، ربما هو علي كافي. وحين علما بمهمتهما قالا لهما: إن المؤتمر عقد. وطلبا منهما الوثائق التي بحوزتهما قصد تسليمها لقيادة الثورة. وعاد رماضنية وبن زودة إلى منطقة سوق أهراس في نهاية شهر جوان. لكننا فوجئنا بانعقاد المؤتمر في شهر أوت بالصومام دون أن تشارك في أشغاله الولاية الأولى بعد استشهاد قائدها مصطفى بن بولعيد وغياب الوفد الخارجي وإقصاء منطقة سوق أهراس. وفوجئنا، أيضا، بصدور قرارات هامة بالنسبة لمستقبل الثورة ومصير منطقة سوق أهراس. ولم يطلع المؤتمرون على تقريرنا، الذي ربما أخفي أو مزّق. وأبقى المؤتمر على منطقة سوق أهراس تابعة للمنطقة الثانية، التي أصبحت تدعى الولاية الثانية. كما اتخذ نفس المؤتمر قرارات حاسمة لم تكن محل إجماع مثل أولوية الداخل على الخارج وأولوية السياسي على العسكري.
بعد رفضنا لقرارات مؤتمر الصومام، اتهمنا بأننا مشوشون. وظل هذا النعت لاصقا بنا فترة طويلة. ورفضت لجنة التنسيق والتنفيذ مدنا بأية مساعدة مادية بعد الطلب التي تقدم به عمارة بوفلاز. وضرب علينا حصار اقتصادي حقيقي واضطر سكان المناطق الحدودية إلى النزوح إلى تونس واضطررنا إلى الاعتماد على أنفسنا في تموين الجيش بالغذاء. وعشنا مدة ستة أشهر أو أكثـر على أكل (السويكة): وهي خليط من القمح المطحون والخرّوب يتم مزجه بالماء يقدم كغذاء للجنود. وللخروج من هذه الأزمة قررت القيادة استغلال الموارد الطبيعية وبخاصة الفلين. ونجحت القيادة في توفير الأدوات، اللازمة لقطع الفلين، والعمال المؤهلين، وكانوا من المجاهدين الذين اشتغلوا من قبل في نفس المهنة. وأعد مخطط لإنجاح هذه العملية ووسائل النقل ومراكز تخزين الفلّين بالأراضي التونسية. وكان العمال يقطعون الفلّين تحت حراسة الجنود. وكان الفلّين ينقل إلى تونس ليباع هناك في الأسواق.
ونجح عمارة بوفلاز في بيع حمولة باخرتين من الفلّين إلى إيطاليا، كما اتصل بوزير المالية التونسي لإعفائنا من الضرائب لكنه رفض. وساعدتنا تلك العوائد على تحسين الأوضاع الاقتصادية.
فشل اللقاء مع أوعمران
بعد مؤتمر الصومام أوفد زيغود يوسف عمار بن عودة للإشراف على الحدود، وإبراهيم مزهودي لوضع حد للاستياء السائد في تبسة. لكن المبعوثين لم يستعملا الحوار والإقناع ولجآ إلى العنف والسلاح لفرض قرارات مؤتمر الصومام. لكنهما فشلا ودخلا إلى تونس. شعرنا بعد مؤتمر الصومام بالإقصاء والتهميش وكانت خيبة الأمل كبيرة في صفوف المجاهدين. وشرع عمارة بوفلاز في تنظيم عملية تحسيس واسعة. وأعاد الاتصال بمسؤولي جيش التحرير الوطني، في سوق أهراس وسدراتة وخنشلة والأوراس، الذين عقدوا اجتماعا في ديسمبر 1956 وحاولوا من جديد إنشاء ولاية مستقلة عن الولايتين الأولى والثانية هي ولاية عين البيضاء. ورفضوا قرارات مؤتمر الصومام بسبب عدم تمثيله لجميع المناطق وتناقضه مع الاتجاه الأول للثورة واعترافه بأولوية السياسي على العسكري وعدم نصه على أن الجزائر دولة عربية إسلامية. كما طالبوا بإبعاد العناصر التي بقيت تعمل في تونس، وتكوين لجنة ممثلة لجميع المناطق للاتصال والتنسيق، وإبعاد مزهودي وبن عودة من تونس. وتعهدوا، من جهتهم، بنقل السلاح إلى المناطق الداخلية، وجددوا الثقة في علي محساس المكلف بتمثيل الجيش سياسيا وعسكريا في الخارج.
في تلك الفترة اتصلنا بأحمد بن بلة، الذي لم يوافق على قرارات مؤتمر الصومام، فأوفد علي محساس للاتصال بنا. وكانت هي المرة الأولى التي تعرفت فيها عليه. وأطلعناه على الجهود التي نبذلها في ميدان التنظيم والتجنيد والتدريب قبل تأسيس القاعدة الشرقية.
بعد فشل بن عودة ومزهودي في مهمتهما، أرسلت لجنة التنسيق والتنفيذ، في نهاية سنة 1956 عمر أوعمران، الذي عين آنذاك مسؤولا عن التنظيم العسكري للوفد الخارجي لجبهة التحرير الوطني، إلى تونس في محاولة لإصلاح الأوضاع المتردية في تونس وإبعاد علي محساس وأنصاره، الذين كانوا لا يزالون رافضين لقرارات مؤتمر الصومام. ووقعت مواجهات بين الطرفين، وتدخل الحبيب بورقيبة لفض الخلافات، وانتهت الأمور بمغادرة محساس تونس. في تلك الفترة التقى أوعمران بعمارة بوفلاز ونوابه، وشرحوا له موقف مجاهدي المنطقة، واقترح عليه بوفلاز أن ينظم له اجتماعا مع مسؤولي الأفواج بالمنطقة.
وهكذا سافرنا في مطلع 1957 إلى سوق الأربعاء بضواحي باجة، والتقينا بأوعمران في مزرعة أحد أحفاد الشيخ المقراني.
قدم لنا عمارة بوفلاز أوعمران على أساس أنه موفد من قبل لجنة التنسيق والتنفيذ لدراسة الوضع في منطقة سوق أهراس في الميدان، وخرج بوفلاز ولم يحضر الاجتماع. عرض علينا أوعمران قرارات مؤتمر الصومام، مؤكدا على طابعها الوطني، وتحدث عن الرهانات الكبرى التي تواجه الثورة وعلى ضرورة توحيد الصفوف. وقال في الأخير إن إنشاء ولاية جديدة يتنافى مع قرارات الصومام. وبعد المعارضة التي لقيها من جانبنا حاول أن يقنعنا بأن نختاره مسؤولا عنا. لكننا رفضنا وتمسكنا بمسؤولينا. وانتهى الاجتماع ليلا، وافترقنا كل إلى جهته.. وبعد ذلك قدم أعمران عرض حال عن مهمته إلى أعضاء لجنة التنسيق والتنفيذ، مقترحا إنشاء نظام خاص بالمنطقة.
ويؤكد بوفلاز في شهادته أنه ''يملك الوثائق الدالة على ذلك ومن بينها الوثيقة التي تقر فيها لجنة التنسيق والتنفيذ بجعل منطقة سوق أهراس قاعدة تموين تكون بمثابة ولاية. وهي بإمضاء بن خدة وكريم بلقاسم وسعد دحلب''. لم يوقع بن طوبال على الوثيقة لسبب واضح وهو رفضه فصل منطقة سوق أهراس عن الولاية الثانية، وخلافاته العميقة مع عمارة بوفلاز. ولم يستسغ قادة الولاية الثانية إنشاء القاعدة الشرقية. وظل بعضهم يعتبرها حتى سنة 1962 جزءا من الولاية الثانية. هكذا ظهرت رسميا القاعدة الشرقية، لكن قرار لجنة التنسيق والتنفيذ جاء ليكرس واقعا موجودا في الميدان قبل ذلك بسنة.
كنا في القاعدة الشرقية نرفض فكرة مؤامرة العقداء
قيل وكتب الكثير عن حادثة الكاف، أو كما يسميها البعض، خطأ، مؤامرة العقداء، أحيانا، وأحيانا أخرى مؤامرة العموري. وأدلى برأيه، في أسبابها وملابساتها، حتى الذين لا علاقة لهم بها، لا من قريب ولا من بعيد. ويجدر بي أن أوضح من البداية أننا، في القاعدة الشرقية، لم نكن نستسيغ كلمة مؤامرة. ذلك أن هذه الكلمة، بإيحاءاتها السلبية وتوظيفاتها السياسية، يمكن أن تقدم فكرة خاطئة عن فصل مأساوي من فصول كفاحنا المسلح، أو أن ترسم صورة مشوهة عن ثورتنا، عن طريق تقديمها وكأنها سلسلة من الدسائس والمؤامرات والمقالب والانقلابات، وهذا غير صحيح تماما. ولأني عشت بعض فصول حادثة الكاف، والتقيت بعض أعضاء الحكومة المؤقتة للتفاوض معهم حول مصير العموري وزملائه قبل إعدامهم، أرى من واجبي الإدلاء بشهادتي في الموضوع.
لم تكن القضية، في الحقيقة، تنازعا على سلطة أو صراع عصبة ضد عصبة أخرى، وإنما كان الأمر متعلقا بخلافات عميقة حول أساليب قيادة الكفاح المسلح وطرق تسيير الثورة سياسيا واختيار القادة، أي مصير الثورة بصفة عامة. وكان العموري وعواشرية ونواورة، وأغلب ضباط الولاية الأولى والقاعدة الشرقية، مقتنعين بأن الثورة قد انحرفت عن مسارها الأصلي، وأنه يجب التحرك لإصلاح الأوضاع قبل انفلاتها. هكذا تبلورت فكرة استعمال العنف ضد ''الباءات'' الثلاثة لحملهم على مراجعة القرارات التي اتخذوها في حق عمارة بوفلاز والعموري بعد حل لجنة العمليات العسكرية.
وينبغي لنا أن نرجع قليلا إلى الوراء لوضع حادثة الكاف في سياقها التاريخي الحقيقي بالحديث عن مصير القاعدة الشرقية وما كان يخطط لها في الخفاء.
لم تعمّر القاعدة الشرقية، التي ولدت في الآلام والدموع، طويلا. فبعد عامين من نشأتها العسيرة وئدت بطريقة عسيرة أيضا مع نهاية سنة .1958
وأسدل الستار على مآثـر وتضحيات قادتها وجنودها. وكان مصير بعض قادتها مأساويا ترك آثارا لا تمحى في نفوس مجاهدي المنطقة وفي مسيرة الثورة. كانت القاعدة الشرقية هي الرئة التي تتنفس منها الثورة، وكانت قلبها النابض. لكن الرهانات، التي أحاطت بها منذ تأسيسها، حوّلتها إلى مصدر لأطماع السياسيين وبعض المغامرين ودسائس الطامحين إلى الزعامة.
صدقنا في البداية خبراستشهاد عبان ثم فوجئنا بالحقيقة المفجعة
كانت السنة التي تفككت فيها القاعدة الشرقية مضطربة وخطيرة عل أكثـر من صعيد، فعلى مستوى قيادة لجنة التنسيق والتنفيذ تفاقمت الخلافات بين أعضائها، وانعكست ميدانيا على القدرات القتالية للجيش، وطفت تلك الصراعات إلى السطح. ولم تعد سرا يخفى بعد مقتل عبان رمضان في نهاية .1957 في البداية صدقنا ما أعلنته جريدة المجاهد حول استشهاده في ميدان الشرف، لكننا فوجئنا، بعد فترة قصيرة، بالحقيقة المفجعة: وهي أن رفقاءه في السلاح استدرجوه إلى المغرب ليقتلوه. كانت الصدمة عنيفة في صفوف المجاهدين. وندد بوفلاز، رغم خلافه مع عبان، في رسالة شديدة اللهجة إلى لجنة التنسيق والتنفيذ، بهذا الاغتيال الجبان لأحد رموز الثورة، ونظم يوم حداد واحتجاج في القاعدة الشرقية.
في تلك الفترة كانت قيادة الجيش الفرنسي ماضية في تنفيذ مخططاتها الرامية إلى عزل جيش التحرير وقطع الدعم عنه من الخارج. وشرعت في تطبيق مخططي وزير الدفاع أندري موريس والجنرال سالان. أما على الصعيد السياسي فقد اتسمت سياسة الجمهورية الخامسة، التي وصلت إلى الحكم بفضل المتطرفين وقسم هام من ضباط الجيش الفرنسي، بالمزاوجة بين العمليات العسكرية والتنازلات الجزئية لصالح الجزائريين.
وكان اعتلاء ديغول سدة الحكم أخطر مرحلة مرت بها الثورة الجزائرية، وانخدع بها بعض القادة السياسيين، الذين صدقوا مبادرات ديغول وخاصة بعد زيارته إلى الجزائر في جوان 1958 ثم إعلانه لمشروع قسنطينة. كان مشروع قسنطينة يمثل الجزرة أما مخطط شال، الهادف إلى القضاء على جيش التحرير من خلال تكثيف عمليات مراقبة وتمشيط المناطق الحدودية، فقد كان بمثابة العصا. وتوج ديغول سياسته باقتراحه الشهير ''سلم الشجعان''، الذي كان يمثل بالنسبة إلينا رفع راية الاستسلام البيضاء واستبعاد الحوار حول المستقبل السياسي للجزائر.
في مثل هذه الأوضاع الصعبة بدأ التخطيط لتفكيك القاعدة الشرقية. وتمت الخطوة الأولى في النصف الأول من عام 1958 حين اتخذ كريم بلقاسم قرارا متسرعا يقضي بإنشاء لجنة العمليات العسكرية في الحدود الشرقية والغربية (الكوم). كان الهدف المعلن هو تكليف هذه الهيئة بقيادة العمل المسلح في الداخل، لكنها كانت، في الحقيقة، بداية لتفكيك القاعدة الشرقية وتصفية مسؤوليها.
الحرس التونسي حاصر ضباط الولاية الأولى والقاعدة الشرقية واعتقلهم
برزت الخلافات بين الباءات الثلاثة (بلقاسم كريم، بن طوبال لخضر، وبوصوف عبد الحفيظ) حتى في تشكيل الكوم. واضطر بوصوف وكريم وبن طوبال إلى الوصول إلى تسوية فيما بينهم من خلال مراعاة مبدأ التمثيل الجهوي ومبدأ تمثيل كل الولايات. وأصبح واضحا أن مبدأ القيادة الجماعية، الذي استندت إليه الثورة منذ اندلاعها، أصبح يتلون بحقائق الميدان ولعبة التوازنات.
في الحدود الغربية (كوم الغرب) أنشئت لجنة العمليات العسكرية بقيادة هواري بومدين، الذي فرضه بوصوف، وعين العقيد الصادق نائبا له، وكانا يشرفان على الكفاح المسلح في الولايات الرابعة والخامسة والسادسة. أما كوم الشرق فقد كان بؤرة حقيقية للخلافات والتناقضات المنذرة بانفجار في أقرب الآجال. فلم يكن شيء يوحي بضمان أبسط شروط التنسيق والعمل الجماعي بين رئيسه محمدي السعيد (الولاية الثالثة) ومحمد العموري (الولاية الأولى) وعمار بن عودة (الولاية الثانية) وعمارة بوفلاز (القاعدة الشرقية). وكان الخلاف بين بوفلاز وبن عودة على أشده. وكان هذا الأخير ينسق مع بن طوبال لتحييد بوفلاز.
وبالإضافة إلى ذلك فإن الجيوش التي قدمت لنقل السلاح، والتي أنيط بالكوم مهمة إدخالها إلى أرض الوطن في أقرب الآجال، لم تكن متعودة على قيادة مركزية، وكانت تدين بالولاء إلى مسؤوليها المباشرين. بعد ذهاب بوفلاز إلى الكوم أعيد النظر في قيادة القاعدة الشرقية، وعين الرائد محمد الطاهر عواشرية مسؤولا عنها والرائد شويشي العيساني نائبا له. وتولى مسؤولية المنطقة الأولى صهر بوفلاز، رصاع معزوز، يساعده ثلاثة نواب برتبة ملازم أول هم الشاذلي بن جديد ويوسف بوبير وبلقاسم عمورة المعروف بلضويوي. وأجريت تغييرات مماثلة في المنطقتين الثانية والثالثة اللتين بقيتا تحت مسؤولية عبد الرحمن بن سالم والطاهر الزبيري.
في نهاية سبتمبر من السنة نفسها اتخذت لجنة التنسيق والتنفيذ، في اجتماع بالقاهرة، آخر قرار لها قبل تعويضها بالحكومة المؤقتة، والقاضي بإلغاء الكوم واتهام أعضائه بالتقصير والعجز في تطبيق قرارات القيادة واللاكفاءة. واتخذت أيضا قرارات تعسفية مجحفة في حقهم. وشعرنا، نحن الضباط في القاعدة الشرقية، بأن الأمر يتعلق بمكيدة تهدف إلى تصفية مسؤولينا والانتقام منهم، خاصة وأننا لاحظنا نوعا من التمييز في طبيعة العقوبات ودرجاتها. فقد سلطت أقسى العقوبات على قادة الولاية الأولى والقاعدة الشرقية، واكتفت اللجنة بعقوبات بسيطة ضد الأعضاء الآخرين. وهكذا نزّلت رتبة بوفلاز ومنع من ممارسة أي نشاط وأبعد إلى بغداد، وليس إلى السودان كما جاء في بعض الكتب. كما نزّلت رتبة العموري وأبعد، هو الآخر، إلى جدة لكنه لم يلتحق بها وبقي لاجئا في ليبيا. بينما اكتفت اللجنة بإبعاد بن عودة لمدة ثلاثة أشهر إلى بيروت. أما المسؤول الأول عن الكوم، محمدي السعيد، المتهم الأول بضعف التسيير، فقد ألحق بالحكومة المؤقتة بالقاهرة ليكلف، بعد شهر، بقيادة التنظيم الجديد: هيئة أركان الشرق.
كان عمارة بوفلاز هو من دفع العموري إلى رفض قرارات الحكومة المؤقتة، أو بالأحرى قرارات الثلاثي (الباءات الثلاثة). لكنه كان يسعى إلى حل هذه المشكلة بالطرق السلمية وفي الأطر النظامية. لكن العموري فضل اتباع أسلوب آخر هو استعمال القوة. وشرع العموري في تنسيق جهوده للإطاحة بالعسكريين في الحكومة المؤقتة مع أحمد نواورة، الذي خلفه على رأس الولاية الأولى، ومحمد الطاهر عواشرية قائد القاعدة الشرقية بعد بوفلاز. وكانت نقطة الخلاف الأساسية هي الإسراع بدخول الجيش إلى التراب الوطني في تلك الظروف الصعبة. لكن نواورة وعواشرية رفضا هذا الأمر واشترطا الإشراف على قواعد الحدود. وأثناء ذلك كان العموري يخطط بالتنسيق مع مصطفى لكحل (المدعو باليسترو) للعودة إلى تونس. وكان الخطأ الذي ارتكبه العموري هو عقد الاجتماع في تونس بدل عقده داخل القاعدة الشرقية. فقد كان في إمكاننا أن نوفّر له الحماية، خاصة وأن قادة وجنود المناطق الثلاث كانوا يساندون أطروحاته.
وشرع عواشرية في عقد سلسلة من الاجتماعات معنا في المنطقة الأولى والثانية والثالثة. وكانت الاتهامات التي وجهها في تدخلاته، تتلخص في أن الحكومة المؤقتة تعيش في تونس حياة بذخ، في الوقت الذي يعاني فيه المجاهدون من نقص في السلاح والذخيرة، وطالب بتقديم توضيحات حول اغتيال عبان رمضان.
علم كريم بلقاسم ومحمود الشريف بوصول العموري إلى الكاف بواسطة قرام، الذي تكفل بنقله من طرابلس والذي كان سائقا خاصا لكريم. وفي اليوم الموالي جرى الاجتماع بحضور ضباط الولاية الأولى والقاعدة الشرقية: منهم الرائد شويشي العيساني، والعقيد أحمد نواورة، ومصطفي باليسترو، والرائد أحمد دراية، ومحمد الشريف مساعدية، وصالح الصوفي، والرائد بلهوشات. فداهم الحرس الوطني التونسي العمارة التي عقد بها الاجتماع، واعتقل المجتمعين..كانت الضربة قاسية بالنسبة إلينا. فبعد أيام شرع الحرس الوطني التونسي في نقل الجنود الجزائريين على الحدود لمحاصرتنا وقطع التموين عنا. ووجدنا أنفسنا بين مطرقة جيش الحدود بقيادة علي منجلي وسندان الجيش الفرنسي: إما أن ندخل في حرب الإخوة الأشقاء، وإما أن نسلم أنفسنا للعدو.. وكلا الخياران مر. وفضلنا الحل السلمي في الأطر النظامية.
بعد فترة طلبت منا الحكومة المؤقتة القدوم إلى تونس للاستماع إلى المتآمرين كما سمّتهم. فذهبنا، أنا وعبد الرحمن بن سالم والزين نوبلي رفقة محمدي السعيد إلى معسكر ''الدان دان'' حيث كانت الجماعة مسجونة. وقابلنا هناك كريم بلقاسم وبن طوبال، وكان بوصوف غائبا. حاولنا أن نقنع أعضاء الحكومة المؤقتة بأن الاجتماع كان مجرد اجتماع استشاري لإصلاح الأوضاع. لكن كريم وبن طوبال أصرا على أن العموري وجماعته كانوا يخططون لانقلاب ضد قيادة الثورة خدمة لمصالح أجنبية. طلبنا منهم الإبقاء عليهم في السجن وعدم إعدامهم فوافقوا شرط أن نسلّمهم الرائد أحمد دراية الذي نجح في الإفلات من قبضة الحرس التونسي ودخل التراب الوطني.
لا أعتبر الإنتماء إلى الجيش الفرنسي إهانة أو مساسا بالشرف
وأريد هنا أن أوضح قضية الضباط الفارين من الجيش الفرنسي بما لا يدع مجالا لأي تأويل. أنا لا أعتبر الانتماء إلى الجيش الفرنسي إهانة أو مساسا بالشرف. وكنت دائما أميّز بين من اضطر، لسبب أو آخر، لأداء الخدمة العسكرية في الجيش الفرنسي، وبين من عرفوا بالفارّين من الجيش الفرنسي، الذين التحقوا بالكفاح المسلح في وقت متأخر، وكانوا سببا في خلافات كثيرة أثناء الثورة. فقد كان لدي الكثير من الأصدقاء ممن خدموا في هذا الجيش، ثم بعد ذلك وجهوا السلاح ضده حين أدركوا بأن لحظة الاختيار قد دقت. وأبلوا بلاء حسنا في المعارك التي خاضوها ضد من كانوا قادتهم في الثكنات الفرنسية.
لقد كنا، منذ بداية الثورة، نشجع هؤلاء الجنود وضباط الصف على الالتحاق بنا. ووقعت، بالفعل، عمليات فرار شهيرة: مثل فرار سالم جوليانو وقارة عبد القادر، وعملية ثكنة البطيحة، مقر الكتيبة الثالثة للرماة الجزائريين، التي نفذها في مارس 1956 عبد الرحمن بن سالم ومحمد الطاهر عواشرية وعلي بوخذير ويوسف الأطرش. هؤلاء استولوا على كميات كبيرة من السلاح كانت الثورة في حاجة ماسة إليها. وساعدوا بما اكتسبوه من تجربة الأفواج الأولى من المجاهدين في التدريب والتكوين. وتحوّلوا، فيما بعد، إلى قادة كبار في القاعدة الشرقية، ومنهم من سقط في ساحة الشرف.
لقد حاول الجنرال ديغول اختراق الثورة بكل الوسائل، وطبق سياسة العصا والجزرة. وكانت دفعة ''لاكوست'' هي التتويج لسياسة اختراق جيش التحرير الوطنى. فبعد فرار مجموعة من الضباط الجزائريين ألحقهم كريم بلقاسم بوزارته، وكلفوا بتطبيق مخطط الرائد إيدير، الذي لم يأخذ حقائق الميدان بعين الاعتبار، ونصب هؤلاء الضباط على رأس فيالق، لكن المجاهدين رفضوهم وطردوا بعضهم. وأدى إصرار القيادة الثلاثية على سياسة فرض هؤلاء الضباط إلى وقوع عدة محاولات تمرّد مثل عصيان جبل الشعامبي، وتمرّد حمى لولو، واستسلام أحمد حمبلي. أما فيما يتعلق بخالد نزار فقد أرسله محمدي السعيد إلى المنطقة الأولى، التي كنت مسؤولا عنها، كمستشار عسكري. لكن نوابي في المنطقة رفضوه في البداية، فأقنعتهم بضرورة الامتثال إلى قرار القيادة. وظل معنا رغم أننا كنا نعرف أنه يعمل لصالح الحكومة المؤقتة.
أنا من أجهض تمرد شعباني والأمر بإعدامه صدر قبل جلسة المحاكمة
أنا الذي أجهضت تمرد شعباني حين كنت قائدا للناحية العسكرية الخامسة، ثم شكلت محكمة ثورية خاصة لمحاكمته. واتصل بي بومدين ليقول لي: ''إن الرئيس أحمد بن بلة عيّنني عضوا في هذه المحكمة إلى جانب سعيد عبيد وعبد الرحمن بن سالم''. وأضاف بومدين: ''إن الرئيس يطلب منكم الحكم عليه بالإعدام. وإذا لم تصدقني اتصل بالرئيس حين تأتي إلى العاصمة وسيقول لك نفس الكلام''. صدقت بومدين.. فلم يكن من عادته الكذب عليّ. وأريد هنا أن أصحح معلومات خاطئة نشرت في شكل شهادات في الصحافة الوطنية، تقول إن أحمد بن الشريف وأحمد دراية وأحمد عبد الغني كانوا أعضاء بالمحكمة. وهذا غير صحيح.
تشكلت المحكمة، بعضوية الضباط المذكورين أعلاه، وترأسها قاض مدني من الجزائر العاصمة، اسمه زرطال. ذهبنا إلى وهران حيث كان شعباني مسجونا مع جماعة أخرى من المساجين السياسيين في سجن سيدي الهواري، منهم محمد خبزي ومحمد جغابة وحسين الساسي والطاهر لعجل وسعيد عبادو وأحمد طالب الإبراهيمي ومعارضون آخرون لبن بلة.
لم تستغرق المحاكمة وقتا طويلا. وبعد المداولة حكم على شعباني بالإعدام بتهمة محاولة التمرّد على الحكم وزرع الفتنة في صفوف الجيش. وبعد النطق بالحكم تلاقت نظراتنا، وانتابني في تلك اللحظة شعور بأن لا أحد منا مقتنع بهذا الحكم القاسي. لذلك طلبنا من شعباني أن يلتمس العفو من الرئيس بن بلة. فقال لنا، وكان منهارا: ''اطلبوه أنتم باسمي''.
كلّفنا سعيد عبيد، بصفته قائدا للناحية العسكرية الأولى، أن يقوم بذلك ويتصل ببن بلة. ولكن بن بلة رفض رفضا قاطعا التماسنا، بل أصر على تنفيذ الحكم كما صدر عن المحكمة معتبرا إياه حكما غير قابل للاستئناف. ولما أخبرنا سعيد عبيد بذلك قلت له: ''اطلب العفو باسمنا نحن الضباط، وقل للرئيس إن شعباني مجاهد ورفيق سلاح، أمرتنا بأن نحكم عليه بالإعدام فحكمنا بذلك، ونحن نعتقد بأنه لا يستحق ذلك، وهو الآن يطلب منكم تحويل حكم الإعدام إلى عقوبة سجن''. ولمّا كلّمه سعيد عبيد ثانية أجابه بن بلة بنرفزة وتشنّج: ''قلت لكم أعدموه هذه الليلة''. وشتم سعيد عبيد، وشتم حتى أمه، وقال له: ''أمنعك من الاتصال بي مرة أخرى''. وأغلق في وجهه التليفون.
في الثالث من سبتمبر أعدم شعباني مع طلوع الفجر في غابة بالقرب من كاناستل، بحضور أعضاء المحكمة، وبحضور أفراد من الدرك الوطني. وقد لاحظت العدد الكبير لأفراد الدرك، وفهمت أنهم كانوا يخشون أن نقوم بتهريبه قبل الإعدام. وبعد الإعدام وضعوا جثته في نعش، ودفن في مكان مجهول. وقيل لي فيما بعد إن بن بلة كان يستعد، في اليوم الموالي، للسفر إلى القاهرة. وحين قرأ في الجرائد خبر إعدام شعباني صاح قائلا: ''خسارة كيف يعدمون ضابطا شابا مثل شعباني''.
زوجة سعيد عبيد أكدت لي حقيقة انتحاره
بعد فشل انقلاب الطاهر الزبيري وُجد السعيد عبيد ميتا في مكتبه. وراجت آنذاك شائعات يقول بعضها إن كومندوسا قتله، وبعضها الآخر يتهم سليمان هوفمان بقتله وغيرها من الشائعات التي تروج عادة في مثل هذه الحالات.
صدّق قادة الفيالق التابعة للناحية العسكرية الأولى، شائعة مقتل السعيد عبيد. فاعتصموا بالثكنات والمعسكرات وأغلقت الأبواب، ومنعوا دخول أي شخص، معلنين بذلك عدم اعترافهم بالنظام. كان بومدين حكيما ولم يفقد رباطة جأشه، ولم يلجأ إلى استعمال القوة، لأنه كان يدرك خطورة الوضع، ويسعى إلى تخفيف التوتر.. فاتصل بي وطلب مني أن أقنعهم بالعدول عما قاموا به. ونجحت في إقناع قادة الفيالق بوضع حد للعصيان، والتزمت معهم بالتحقيق في موت سعيد عبيد.
ذهبت إلى بيت سعيد عبيد. وروت لي زوجته تفاصيل آخر مكالمة هاتفية لها معه، وأكدت لي أنه انتحر فعلا بعد الضغوط التي مورست عليه.
*رئيس الجمهورية الأسبق
المشاركة من Djalel
في December 05 2008 09:44:49·
التعليقات: 5 ·
قراءات: 3545 ·
تعليقات
الصديقفي December 05 2008 19:49:10
الله يهديهم .و..يبتعدو عن الجزائر
عبد الكريمفي December 10 2008 12:41:00
الشادلي لازم يتكلم عن الانقلاب هذا أهم مت التكلم عن بن بلة و بومدين.
أيضا زروال يجب أن يتكلم عن المجازر و أن يتبرأ من الجرائم و الا فانه مسؤول عن الاف الضحايا
و السلام عليكم
مهاجرفي December 12 2008 21:17:07
اكتب كتابك قبل الموت عسى نسامحك
ربيع سعداويفي October 25 2009 10:51:36
http://sansbarbe.jeeran.com/
الفضائح والجرائم *النظام الجزائري المتعفن تعفن بوتفليقة*/
http://rabai.elaphblog.com/posts.aspx?U=2158&A=20559
بوشيبة لحسنفي March 07 2010 14:21:59
حسبنا الله ونعم الوكيل والله اكبر على من طغى وتجبر
المشاركة بتعليق
التصنيفات
التصنيف متاح للأعضاء فقط.
نرجو تسجيل الدخول أو التسجيل في الموقع للمشاركة في التصويت.
faisal wahran
30/07/2010 21:50 alah oma zalzil elarde ala elkhgawana wal monafikin walmofsidina fi elarde alach mayjahdoch fi maroc wala tones alah yahrag binaro les jenero wal jia wel khawana ali daro elfitna eljihade rah fi f
العربى بن مهيدى
30/07/2010 17:34 وين راك يا العربى وعبان رمضان ووووو ارواحو تشوفو واش راه صارى فى البلاد لى خليتوها امانة فى يد ابناء فرنسا ربى يرحمكم ويوسع عليكم
على لابوانت
30/07/2010 17:32 الله يرحم الشهداء لى دافعو على الجزائر وخلاوها للخيان
الغليزاني
30/07/2010 11:50 ما معنى حركات عنيفة !!؟؟
بغيتوها دايما طرية
بلوهراني
30/07/2010 00:10 موقع رشاد مازال ممنوعا في الجزائر مع ان الحركة تدعو الئ التغيير السلمي في الوقت الدي مازال تصفح مواقع تنشر البيانات للحركات العنفية مباحا ...غريبة
بلوهراني
30/07/2010 00:03 وعليكم السلام الاخ طنجاوي
الطنجاوي
29/07/2010 20:46 السلام عليكم ..كيسف حالك يا اخ بوهراني ...وغارق وغاضب وابو ايوب ؟؟؟
بلوهراني
29/07/2010 20:10 اكثر من 11 مليون عانس في الجزائر علئ لااسهم العانس الكبيرة *بوتف*
بلوهراني
29/07/2010 19:01 الاولئ تخدم *التروتوار* و الثانية تخدم الطريق
بلوهراني
29/07/2010 19:00 ما الفرق بين الغانية و الشرطية في الجزائر؟
بلوهراني
29/07/2010 18:53 اعترافات جديدة سيدلي تفضح مجرمو الدي ار اس
بلوهراني
29/07/2010 18:51 عميل ال drs السابق كريم مولاي في حلقة خاصة علئ قناة الحوار يوم السبت القادم 31 جويلية علئ ئالساعة السادسة مساءا بتوقيت الجزائر
بلوهراني
28/07/2010 23:40 فندق 5 نجوم للكلاب بالجزائر بلاد*ميكي * تحولت الئ بلاد*بوبي*
كم كتابا
28/07/2010 21:21 اجبني كم كتابا تقرأ في اليوم أقول لك من انت
نسر
28/07/2010 20:01 لماذا أغلقوا قناة الجزائر في موقع يوتيوب?
اسال يا عسكري
28/07/2010 09:37 اسأل يا عسكري ما حكم قتال المسلم مع الكافر مسلم آخر كما تفعل الدول العربية في تحالفها مع الكفار -ابحث في الكتب ولا تسأل علماء السلطان ان كنت تبحث عن الحق
وزارة الحرب على الاسلام
27/07/2010 21:15 هذه يجب ان تسمى وزارة الحرب على الاسلام وفي حقيقة اغلب الوزارات تقوم بنفس الدور
محمد القاعدي
27/07/2010 20:47 وزارة الضرار تسن عقوبات للأئمة الذين يطيلون و يخشعون في الصلاة التراويح قد تصل إلى الفصل ..
اجرام الكفار
27/07/2010 18:33 ادخلوا الجزيرة نت وشاهدوا اجرام الناتوا في المسلمين العلمانيون اخوة النصارى وسند لهم ان تحارب علمتني كانك تحارب نصراني لا فرق كلاهما يعادي الاسلام
قطّعت جسدها بالزّجا ج
27/07/2010 13:40 وقد أكّد شهود عيان تعرّضَ بنات السيدة مسعودة آمال رواوية وأميرة للضرّب المبرح من قبل أعوان الدّرك، أما ابنها الوحيد صاحب 19 سنة إلى تم توقيفه عندما حاول الدّفاع عن حرمة عائلته